فصل: فوائد لغوية وإعرابية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)}
أخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أن أبا موسى قال: وددت أن كل مسلم يقرأ هذه الآية مع ما يقرأ من كتاب الله: {قل إن صلاتي ونسكي...} الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: {قل إن صلاتي} قال: صلاتي المفروضة {ونسكي} قال: يعني الحج.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير {إن صلاتي ونسكي} قال: ذبيحتي.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة {إن صلاتي ونسكي} قال: حجي ومذبحي.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {ونسكي} قال: ذبيحتي في الحج والعمرة.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {ونسكي} قال ضحيتي. وفي قوله: {وأنا أول المسلمين} قال: من هذه الأمة.
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة من دمها كل ذنب عملته، وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.: يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة فأهل ذلك أنتم أم للمسلمين عامة؟ قال: بل للمسلمين عامة». اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قوله: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّه}.
قرأ نافع: {ومَحْيايْ} بسكون ياء المُتكلِّم، وفيها الجَّمع بين سَاكِنَيْن.
قال الفارسي: كقوله: التَقَتْ حَلْقَتَا البطَانِ ولِفُلانٍ ثُلُثَا المَالِ بثبوت الألفين.
وقد طَعَن بَعْضُ النَّاس على هذه القراءة بما ذَكَرْت من الجَمْع بَيْ السَّاكِنين، وتعجَّبت من كَوْن هذا القَارئ يُحَرك ياء {مُمَاتِيَ} ويُسَكِّن ياء {مَحْيَايْ} وقد نقل بَعضُهُم عن نافع الرُّجوع عن ذلك.
قال أبُو شامة- رحمه الله عليه: فَيَنْبَغِي ألاَّ يَحِلَّ نَقْلُ تسْكِين ياء {مَحْيَايَ} عنه.
وقرأ نافع في رواية: {مَحْيَاي} بكسر الياءِ، وهي تشبه قراءة حَمْزَة في {بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22]، وسيأتي- إن شاء الله تعالى-.
وقرا ابنُ أبي إسحاق، وعيس الجَحْدَرِيُّ: {ومَحْيَيَّ} بإبْدال الألف ياء، وإدغَامِها في ياء المُتَكلِّم، وهي لُغة هُذَيْل، أنشد عليها قول أبي ذُؤيْب: [الكامل]
سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَاقُوا لِهَوَاهُمُ ** فَتُخُرِّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرعُ

. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)}
مَنْ كوشِفَ بحقائق التوحيد شَهدَ أن القائم عليه والمجري عليه والممسك له والمُنَقَّل إياه من وصفٍ إلى وصف، و(...) عليه فنون الحدثان- واحدٌ لا يشاركه قسيم، وماجِدٌ لا يضارعه نديم.
ويقال مَنْ عَلمَ أنه بالله علم أنه لله، فإذا علم لله لم يَبقَ فيه نصيب لغير الله؛ فهو مستسلمٌ لحكم الله، لا مُعْتَرِضٌ على تقدير الله، ولا معارِضٌ لاختيار الله، ولا مُعْرِضٌ عن اعتناق أمر الله. اهـ.

.تفسير الآية رقم (163):

قوله تعالى: {لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما أعلم أنه يستحقه لذاته ووصفه، أعلم أنه يستحقه وحده فقال: {لا شريك له} أي ليكون لشريكه على زعمكم شيء من العبادة لما كان له شيء من الربوبية، فأبان بهذا أن وجهه صلى الله عليه وسلم ووجه من تبعه واحد لا افتراق فيه، وهو قصد الله وحده على سبيل الإخلاص كما أنه يوحد بالإحياء والإماتة فينبغي أن يوحد بالعبادة.
ولما دل على ذلك ببرهان العقل، أتبعه بجازم النقل فقال عاطفًا على ما تقديره: إلى ذلك أرشدني دليل العقل: {وبذلك} أي الأمر العالي من توجيه أموري إليه على وجه الإخلاص.
ولما كان له سبحانه في كل شيء آية تدل على أنه واحد، فكان كل شيء آمرًا بالتوحيد بلسان حاله أو ناطق قاله، بني للمفعول قوله: {أمرت} أي يعني أن هذا الدين لو لم يرد به أمر كان ينبغي للعاقل أن يدين به ولا يعدل عنه لشدة ظهوره وانتشار نوره بما قام عليه من الدلائل ودرج على اتباعه من الأفاضل والأماثل، فكيف إذا برزت به الأوامر الإلهية ودعت إليه الدواعي الربانية {وأنا أول المسلمين} أي المنقادين لما يدعو إليه داعي الله في هذا الدين، لا اختيار لي أصلًا، بل أنا مسلوب الاختيار فيه منقاد أتم انقياد، وهذه الأولية على سبيل الإطلاق في الزمان والرتبة بالنسبة إلى أمته صلى الله عليه وسلم وفي الرتبة بالنسبة إلى من تقدمه من الأنبياء وغيرهم، وهذا أيضًا من باب الإحسان في الدعاء بالتقدم إلى ما يدعو إليه وأن يحب للمدعو ما يحب لنفسه ليكون أنفى للتهمة وأدل على النصيحة فيكون أدعى للقبول. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

ثم نص على أنه {لا شريك له} في الخلق والتقدير، ثم يقول: {وبذلك أمرت} أي وبهذا التوحيد أمرت.
ثم يقول: {وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين} أي المستسلمين لقضاء الله وقدره، ومعلوم أنه ليس أولًا لكل مسلم، فيجب أن يكون المراد كونه أولًا لمسلمي زمانه. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله تعالى: {لاَ شَرِيكَ لَهُ} يحتمل وجهين:
أحدهما: لا شريك له في ملك العالمين.
والثاني: لا شريك له في العبادة.
{وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ} يعني ما قدم ذكره.
{وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} يعني من هذه الأمة حثًّا على اتباعه والمسارعة بالإٍسلام. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله تعالى: {وأنا أول المسلمين} أي من هذه الأمة، وقال النقاش من أهل مكة.
قال القاضي أبو محمد: والمعنى واحد بل الأول أعم وأحسن وقرأت فرقة {وأنا} بإشباع الألف وجمهور القراء على القراءة {وأنا} دون إشباع، وهذا كله في الوصل.
قال القاضي أبو محمد: وترك الإشباع أحسن لأنها ألف وقف فإذا اتصل الكلام استغنى عنها لاسيما إذا وليتها همزة. اهـ.

.قال الخازن:

{وأنا أول المسلمين} قال قتادة: يعني من هذه الأمة وقيل معناه وأنا أول المستسلمين لقضائه وقدره. اهـ.

.قال أبو حيان:

{لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}
الظاهر نفي كل شريك فهو عام في كل شريك فتخصيص ذلك بما قيل من أنه لا شريك له في العالم أو لا شريك له فيما أتقرب به من العبادة أو لا شريك له في الخلق والتدبير أو لا شريك فيما شاء من أفعاله الأولى بها أن تكون على جهة التمثيل لا على التخصيص حقيقة، والإشارة بذلك إلى ما بعد الأمرين {قل إنني هداني ربي} {قل إن صلاتي} وما بعدها أو إلى قوله: {لا شريك له} فقط أقوال ثلاثة أظهرها الأول، والألف واللام في المسلمين للعهد ويعني به هذه الأمة لأن إسلام كل نبي سابق على إسلام أمته لأنهم منه يأخذون شريعته قاله قتادة.
وقيل: من العرب.
وقيل: من أهل مكة.
وقال الكلبي: أولهم في هذا الزمان.
وقيل: أولهم في المزية والرتبة والتقدّم يوم القيامة.
وقيل: مذ كنت نبيًا كنت مسلمًا كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين.
وقال أبو عبد الله الرازي: معناه من المسلمين لقضاء الله وقدره إذ من المعلوم أنه ليس أولًا لكل مسلم؛ انتهى.
وفيه إلغاء لفظ أول ولا تلغى الأسماء والأحسن من هذه الأقوال القول الأول. اهـ.

.قال الألوسي:

{لاَ شَرِيكَ لَهُ} أي في عبادتي أو فيها وفي الإحياء والإماتة.
وقرأ نافع {محياي} بإسكان إجراء للوصل مجرى الوقف، وفي رواية أنه كسر الياء، وعلى الرواية الأولى إنما جاز التقاء الساكنين لنية الوقف وفيه يجوز ذلك فطعن بعضهم في ذلك بأن فيه الجمع بين الساكنين وهو لا يجوز ليس في محله، وقد روى هذه القراءة عن نافع جماعة، وما قيل: إنه رجع عنها وإنه لا يحل لأحد نقلها عنه ليس بشيء {وبذلك} أي القول أو الإخلاص {أُمِرْتُ} لا بشيء غيره {وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين} أي المنقادين إلى امتثال ما أمر الله تعالى به، وقيل: المستسلمين لقضاء الله تعالى وقدره، والمراد مسلمي أمته كما قيل، وهذا شأن كل نبي بالنسبة إلى أمته، وقيل: هذا إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «أول ما خلق الله تعالى نوري». اهـ.

.قال ابن عاشور:

وجملة: {لا شريك له} حال من اسم الجلالة مصرّحة بما أفاده جمع التّوكيد مع لام الملك من إفادة القصر.
والمقصود من الصّفة والحال الردّ على المشركين بأنَّهم ما أخلصوا عملهم للذي خلقهم، وبأنَّهم أشركوا معه غيره في الإلهيّة.
وقَرأ نافع: {ومحياي} بسكون الياء الثّانية إجراء للوصل مُجرى الوقف وهو نادر في النّثر، والرّواية عن نافع أثبتته في هذه الآية، ومعلوم أنّ الندرة لا تُناكد الفصاحة ولا يريبك ما ذكره ابن عطيّة عن أبي عليّ الفارسي: أنَّها شاذّة عن القياس لأنَّها جمعت بين ساكنين لأنّ سكون الألف قبل حرف ساكن ليس ممّا يثقل في النّطق نحو عصاي، ورؤياي، ووجه إجراء الوصل مجرى الوقف هنا إرادة التّخفيف لأنّ توالي يائين مفتوحتين فيه ثقل، والألف النّاشئة عن الفتحة الأولى لا تعدّ حاجزًا فعدل عن فتح الياء الثّانية إلى إسكانها.
وقرأه البقيّة بفتح الياء وروي ذلك عن وَرش، وقال بعض أهل القراءة أنّ نافعًا رجع عن الإسكان إلى الفتح.
وجملة: {وبذلك أمرت} عطف على جملة {إن صلاتي} إلخ.
فهذا ممّا أمر بأن يقوله، وحرف العطف ليس من المقول.
والإشارة في قوله: {وبذلك} إلى المذكور من قوله: {إن صلاتي ونسكي} إلخ، أي أنّ ذلك كان لله بهدي من الله وأمرٍ منه، فرجع إلى قوله: {إنَّني هداني ربي إلى صراط مستقيم} [الأنعام: 161] يعني أنَّه كما هداه أمره بما هو شكر على تلك الهداية، وإنَّما أعيد هنا لأنَّه لما أضاف الصّلاة وما عطف عليها لنفسه وجعلها لله تعالى أعقبها بأنّه هَدْي من الله تعالى، وهذا كقوله تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصًا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين} [الزمر: 11، 12].
وتقديم الجار والمجرور للاهتمام بالمشار إليه.
وقوله: {وأنا أول المسلمين} مثل قوله: {وبذلك أمرت} خبر مستعمل في معناه الكنائي، وهو لازم معناه، يعني قبول الإسلام والثّبات عليه والاغتباط به، لأنّ من أحبّ شيئًا أسرع إليه فجاءه أوّل النّاس، وهذا بمنزلة فعل السبق إذ يطلق في كلامهم على التمكّن والترجّح، كما قال النّابغة:
سَبَقْتَ الرّجالَ الباهشين إلى العلا ** كسَبْق الجواد اصطادَ قبل الطوارد

لا يريد أنّه كان في المعالي أقدم من غيره لأنّ في أهل المعالي من هو أكبر منه سِنًّا، ومن نال العلا قبل أن يولد الممدوح، ولكنّه أراد أنّه تمكّن من نوال العلا وأصبح الحائز له والثّابت عليه.
وفي الحديث: «نحن الآخِرون السّابقون يوم القيامة».
وهذا المعنى تأييس للمشركين من الطّمع في التّنازل لهم في دينهم ولو أقَلّ تنازلٍ.
ومن استعمال (أوّل) في مثل هذا قوله تعالى: {ولا تكونوا أول كافر به} كما تقدّم في سورة البقرة (41).
وليس المراد معناه الصّريحَ لقلّة جدوى الخبر بذلك، لأنّ كلّ داع إلى شيء فهو أوّل أصحابه لا محالة، فماذا يفيد ذلك الأعداء والأتباعَ، فإن أريد بالمسلمين الذين اتَّبعوا حقيقة الإسلام بمعنى إسلام الوجه إلى الله تعالى لم يستقم، لأنّ إبراهيم عليه السّلام كان مسلمًا وكان بنوه مسلمين، كما حكى الله عنهم إذ قال إبراهيم عليه السّلام: {فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون} [البقرة: 132] وكذلك أبناء يعقوب كانوا مسلمين إذ قالوا: {ونحن له مسلمون} [البقرة: 136].
وقرأ نافع وأبو جعفر بإثبات ألف {أنَا} إذا وقعت بعدها همزة ويجري مدّها على قاعدة المدّ، وحذفَها الباقون قبل الهمزة، واتَّفق الجميع على حذفها قبل غير الهمزة تخفيفًا جرى عليه العرب في الفصيح من كلامهم نحو: {أنا يُوسف} واختلفوا فيه قبل الهمزة نحو أنا أفعل، وأحسب أنّ الأفصح إثباتها مع الهمز للتّمكّن من المدّ. اهـ.